عبد الوهاب الشعراني

12

البحر المورود في المواثيق والعهود

الحديد مثلا الصبر على قطعه بالحديد ونشره بالمناشير ونحت أضلاعه وصبره على دخوله النار وحرقه بها حتى يصير جمرة يتوقد ، وكم يدخل الحديد النار وتارة يعملوه مسمارا وتارة سكينا وتارة وتدا ، وهكذا أبد الآبدين إلى يوم الدين ، وكم يطبقون أضلاعه بالمطارق ، وكم يكسرون الحجر وكم يجعلونه في أسفل جدارات الخرارات والابار لا يقدر يتنفس من الأثقال التي على ظهره ويقول لنفسه لو وضعوك مكانه ساعة ما قدرتى ويأخذ من الشمعة مثلا كثرة تنويرها على جليسها ويقول لنفسه اين نورك أنت واين صبرك على العذاب لأجل جليسك وهكذا في سائر ما يجالسك من سائر الجمادات ومن فتح بابا فتحت له أبواب . ثم اعلم يا اخى ان حكم المدد حكم الماء والماء لا يجرى إلا في السفليات فقط ، واما الاعلى فلا يصعد اليه الماء ، واما المساوى فماؤه واقف لا يجرى ، فمن رأى نفسه فوق جليسه أو مساويا له حرم مدده وان كانت القدرة صالحة لوصول المدد إليه مجرى الماء إلى الاعلى ، وفي المساوى لكن سبب الاستحقاق مفقود . فافهم واعلم يا اخى ان منزلة كل عبد في الجنة تكون على حسب تواضعه فمن رأى نفسه دون اقرانه كلهم كانت درجته فوقهم كلهم ومن رأى نفسه فوقهم كلهم كانت درجته في الجنة تحتهم كلهم فليس فوق مقام المتواضع مقام الا مقام من زاد عليه في التواضع وأكثر الخلق أجمعين تواضعا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فلذلك كانت درجته أعلى مكان في الجنة ويليه في ذلك من ورثه من الرسل والأولياء والعلماء كل واحد على قدر حظه ونصيبه .